الغزالي

122

إحياء علوم الدين

وقال ابن مسعود رضي الله عنه : ركعتان من زاهد قلبه خير له وأحب إلى الله من عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبدا سرمدا وقال بعض السلف : نعمة الله علينا فيما صرف عنا أكثر من نعمته فيما صرف إلينا . وكأنه التفت إلى معنى قوله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ الله يحمى عبده المؤمن الدّنيا وهو يحبّه كما تحمون مريضكم الطَّعام والشّراب تخافون عليه » . فإذا فهم هذا علم أن النعمة في المنع المؤدى إلى الصحة أكبر منها في الإعطاء المؤدى إلى السقم وكان الثوري يقول : الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ودار ترح لا دار فرح ، من عرفها لم يفرح برخاء ، ولم يحزن على شقاء . وقال سهل : لا يخلص العمل لمتعبد حتى لا يفرغ من أربعة أشياء . الجوع ، والعري ، والفقر ، والذل وقال الحسن البصري : أدركت أقواما وصحبت طوائف ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل ، ولا يأسفون على شيء منها أدبر ، ولهي كانت في أعينهم أهون من التراب . كان أحدهم يعيش خمسين سنة أو ستين سنة . لم يطوله ثوب ، ولم ينصب له قدر ، ولم يجعل بينه وبين الأرض شيئا ، ولا أمر من في بيته بصنعة طعام قط . فإذا كان الليل فقيام على أقدامهم ، يفترشون وجوههم ، تجرى دموعهم على خدودهم ، يناجون ربهم في فكاك رقابهم : كانوا إذا عملوا الحسنة دأبوا في شكرها ، وسألوا الله أن يقبلها ، وإذا عملوا السيئة أحزنتهم ، وسألوا الله أن يغفرها لهم . فلم يزالوا على ذلك ، وو الله ما سلموا من الذنوب ولا نجوا إلا بالمغفرة ، رحمة الله عليهم ورضوانه بيان درجات الزهد وأقسامه بالإضافة إلى نفسه ، وإلى المرغوب عنه ، وإلى المرغوب فيه اعلم أن الزهد في نفسه يتفاوت بحسب تفاوت قوته على درجات ثلاث الدرجة الأولى : وهي السفلى منها ، أن يزهد في الدنيا وهو لها مشته ، وقلبه إليها مائل ونفسه إليها ملتفتة ، ولكنه يجاهدها ويكفها . وهذا يسمى المتزهد . وهو مبدأ الزهد في حق من يصل إلى درجة الزهد بالكسب والاجتهاد . والمتزهد يذيب أولا نفسه ، ثم كيسه